الربيع الاقتصادي يحل مبكرا في أمريكا


الربيع الاقتصادي يحل مبكرا في أمريكا
الأوقات السعيدة تعود الآن إلى أمريكا، فمؤشر داو جونز يقترب في الوقت الحاضر من مستوياته التي كان عليها قبل الركود الاقتصادي. وخلال الشهرين السابقين انخفضت أرقام العاطلين عن العمل أكثر من 200 ألف في كل شهر، ويُظهِر الاتجاه العام علامات على الاستمرار. وبصرف النظر عما تقوله نشرة الأرصاد الجوية (لا يزال هناك ستة أسابيع من فصل الشتاء)، إلا أن الربيع جاء مبكراً إلى الجانب الأمريكي من المحيط الأطلسي. وفي حين لا تزال أوروبا مغطاة بالثلوج، أخذت أزهار النرجس الأصفر بالظهور المبكر في واشنطن.
ما يؤكد ذلك هو أن المزاج العام تحول بصورة حادة إلى درجة أن الملاحظة القوية التي صدرت في الأسبوع الماضي عن بن برنانكي، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، تم تجاهلها على نطاق واسع. ذلك أن برنانكي، بدلاً من أن ينضم إلى الاحتفالات، أمضى معظم شهادته وهو يحض أعضاء مجلس الشيوخ على عدم التسبب في صفعة يمكن أن تؤدي إلى تجميد مبكر للانتعاش الاقتصادي (من خلال رفع أسعار الفائدة قبل الأوان). كذلك لم يعتبر برنانكي أن هناك أموراً كثيرة تستدعي الاحتفال بشأنها. فقد قال إن نسبة البطالة البالغة 8.3 في المائة في أمريكا ''تعبر عن الضعف الذي أصاب سوق العمل بصورة تخفف وطأة تأثيره''.
ورأى بعض المعلقين في كلمات برنانكي استعراض لتشاؤم تكتيكي من شخص عانت سمعته نتيجة تفاؤله الذي كان سائداً قبل الركود الاقتصادي. لكن ملاحظاته أصابت كبد الحقيقة في الاقتصاد الأمريكي في الوقت الحاضر. فما من أحد يقول إن أمريكا لن تشهد انتعاشا اقتصاديا. السؤال السليم هو: أي نوع من الانتعاش سيكون؟ هل مثل ما حدث في التسعينيات، حين أدت موجة عالية من المد إلى رفع جميع السفن؟ أم أنه سيواصل المسيرة انطلاقاً من الدورة الأخيرة، التي كان فيها العدد الإجمالي للوظائف في الولايات المتحدة عند نهاية الدورة مساوياً للعدد عند بدايتها – والتي انخفضت فيها نقطة منتصف الدخل؟ (النقطة التي ينقسم عندها السكان إلى مجموعتين متساويتين، الأولى فوق نقطة المنتصف والثانية دونها).
هناك ثلاثة أسباب تدعو إلى الإنصات إلى ما يقوله برنانكي. الأول، أن العوامل الهيكلية التي تحرك سوق العمل الأمريكية لا تزال بالضبط عند قوتها التي كانت عليها من قبل. ويظل الناتج التعليمي لأمريكا، عند مقارنته بالناتج في البلدان الغنية الأخرى، أدنى من المتوسط بعد أن كان متقدماً بصورة مريحة على جميع البلدان الأخرى خلال معظم القرن العشرين. إن ''القدرة الاستثنائية'' في رأس المال البشري الأمريكي، على حد تعبير لاري كاتز وكلوديا جولدِن، لن تعود إلى سابق عهدها خلال وقت قريب. وعدد الخريجين الأمريكيين الآن أقل من عددهم في معظم البلدان الغنية، وهناك عدد أكبر من الطلاب الذين يتركون الدراسة في المرحلة الثانوية.
والحقيقة التي تقول إن نسبة متزايدة من النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة تأتي من الخارج، من خلال برنامج باراك أوباما الرامي إلى دفع عجلة التصدير، وهو برنامج أخذت نتائجه بالظهور (رغم أن الواردات تنمو بسرعة أكبر)، ومن خلال العولمة المتواصلة للشركات الأمريكية، تعني أن العمال الأمريكيين سيتنافسون بصورة أكثر شراسة مع العمال الآخرين في مختلف أنحاء العالم. وفي السنة الماضية سجل الاقتصاد الأمريكي نمواً بنسبة 1.7 في المائة وتراجع متوسط الأجور بنسبة 2.7 في المائة، وعلينا أن نتوقع أن يستمر هذا التباعد.
ثانياً، على الرغم من أن بعض السبب في انتخاب أوباما هو من أجل أن يتصدى لظاهرة ''الركود الاقتصادي الدائم'' التي أصابت الطبقة الوسطى الأمريكية، إلا أن وقت الرئيس كان مشغولاً إلى حد بعيد بمحاربة ركود كبير على مستوى الاقتصاد بأكمله. ويأمل أوباما في أن يؤدي القانون الذي اقترحه عام 2010 لإصلاح الرعاية الصحية إلى تحويل المؤشر باتجاه أمان أفضل – على افتراض أن المحكمة العليا الأمريكية لن تنقض المبدأ الرئيسي الذي يقوم عليه القانون حين تنظر الشهر المقبل في طلب ضد القانون مقدم من الكونجرس. لكن هناك احتمال ضعيف نسبياً ولا نستطيع أن نقيم عليه آمالاً، بأن الأمر سيكون مختلفاً هذه المرة.
وكما يلاحظ جارد بيرنشتاين، المستشار الاقتصادي السابق للبيت الأبيض، فإن حصة الأرباح الأمريكية المتحصلة من الخارج مستمرة في الصعود – وعلى حساب نمو الدخل لدى الموظفين. وخلال السنوات الثلاث السابقة قفزت هوامش الأرباح في الشركات المدرجة في مؤشر ستاندر آند بورز 500 من 6 في المائة إلى 9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي – وهي نسبة تم تحقيقها آخر مرة قبل ثلاثة أجيال. والحصة الأجنبية من هذه الأرباح، التي تبلغ الثلث تقريباً في الوقت الحاضر، ارتفعت إلى أكثر من الضعف منذ عام 2000.
وكما يشير ديفيد روثكوبف في كتابه الجديد القوي الذي جاء في أوانه، Power Inc، فإن البندول انحرف بصورة حادة خلال الجيل الأخير من الجمهور العام إلى الشركات. وأدى هذا إلى تغيير السمات المميِّزة للاقتصاد الأمريكي. ويقول المؤلف: ''في الماضي كانت هناك علاقة وثيقة بين النمو الاقتصادي تؤدي إلى خلق الوظائف، وهو ما أدى بدوره إلى خلق الثروة بصورة كبيرة. هذه الصلات يبدو أنها لم تعد موجودة''.
وفي حين أن الأرباح كانت تحلق في الأعالي خلال السنتين السابقتين، إلا أن الاقتصاد الأمريكي يأخذ الآن بإضافة عدد من الوظائف يكفي لتقليص النسبة الرئيسية للبطالة. لكن إذا استمرت الأمور بهذه السرعة البطيئة، فإن الولايات المتحدة بحاجة إلى الانتظار حتى عام 2020 لاستعادة الوظائف التي فُقِدت منذ عام 2007 والتعويض عن الزيادة في عدد السكان. وبالنسبة لعدد قليل من الأمريكيين عاد النمو القوي في الدخل، لكن بالنسبة إلى معظم الذين يبحثون الآن عن عمل، فإن الأجور أدنى بكثير من مستوى الرواتب الأولى التي كانت تعطى في حالات الانتعاش الاقتصادي السابقة. والشركات التي تتألف من ''طبقتين'' من العمال، مثل كاتربلر وكرايسلر، والتي توظف أشخاصاً جدداً بأجور تقل عن نصف أجور العمال الأقدم وبمنافع أقل، في سبيلها الآن إلى أن تصبح هي الوضع الطبيعي.
ثالثاً، هناك السياسة. باختصار هناك حلقة من التغذية الراجعة السلبية بين السياسة الأمريكية والاقتصاد الأمريكي – ذلك أن الاستقطاب في كل منهما يزداد بخطى مضطردة. وخلافا للفترات السابقة من التغير، لا يوجد في الوقت الحاضر زخم شعبي قوي لصالح تحسين التعليم والمهارات. والواقع أن ما يلفت النظر بشدة هو المقدار الضئيل الذي لا يذكر للشعبوية لدى عامة الناس. ومعظم الفراغ السياسي يُملأ من قبل الأثرياء. فمن بين الأموال البالغة 181 مليون دولار التي تم إنفاقها حتى الآن من قبل الجماعات الخاصة القوية، بهدف دعم المرشحين السياسيين – وهي جماعات تستطيع إنفاق مبالغ غير محدودة طالما كانت مستقلة من الناحية القانونية عن المرشحين الذين تدعمهم – يأتي أكثر من نصفها من أفراد يقل عددهم عن 200 شخص.
وفي ظل هذه الظروف، ما هي الاحتمالات بأن يحظى العاطلون عن العمل على الأجل الطويل الذين يتحدث عنهم برنانكي، عن طريق السياسة، بالدَّفعة العلاجية اللازمة للبقاء في اقتصاد معولم؟ وماذا عن الملايين الـ 15 من الأمريكيين الذين خرجوا من سوق العمل نهائياً، هل سيتم إعادة استيعابهم؟ من المؤكد أن النمو الإجمالي يعود الآن إلى الولايات المتحدة، لكن ليس واضحا بأي معدل تتم هذه العودة. وبالنسبة لكثير من الأمريكيين سيكون هذا الانتعاش الاقتصادي بارداً وكالحاً. دعونا نرجو ألا يدوم حتى نهاية حياتهم.

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة

 نتائج الثالث متوسط في العراق 2017
 نتائج السادس العلمي والادبي في العراق 2017